الراغب الأصفهاني

146

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الحدّ الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها ( 1 ) ما جاء في الشّجاعة وأحوالها ، حقيقة الشجاعة حقيقة الشجاعة قيل : الشجاعة صبر ساعة ، وكتب زياد إلى ابن عباس : صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فقال : الشجاع من يقاتل من لا يعرفه والجبان يفر من عرسه والجواد يعطي من لا يلومه حقه والبخيل يمنع من نفسه ، قال شاعر : يفرّ جبان القوم عن أم نفسه * ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه وسئل فيلسوف عن الشجاعة فقال : جبلة « 1 » نفس أبية وقيل : الرجال ثلاثة : فارس وشجاع وبطل . فالفارس الذي يشد إذا شدوا والشجاع الداعي إلى البراز ، والمجيب داعية والبطل الحامي لظهورهم إذا انهزموا . الأسباب المشجعة قال الجاحظ : الأسباب المشجعة قد تكون عن الغضب والشراب والهوج والغيرة والحمية . وقد تكون من قوة النفخ « 2 » وحب الأحدوثة وربما كان طبعا كطبع الرحيم والسخي والبخيل والجزوع والصبور وربما كان للدين ، ولكن لا يبلغ الرجل للدين ما لم يشيعه بعض ما تقدم لأن الدين مجتلب مكتسب ولا يكاد يبلغ الطبيعة . وقيل : لا يصدق القتال إلا ثلاثة : متديّن وغيران وممتعض من ذلّ . الوصية بالإقدام وترك الفشل قيل : قد جمع اللّه تعالى في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً « 3 » ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا

--> ( 1 ) الجبلة : الطبع ، سجية النفس . ( 2 ) النفخ ( هنا ) : التكبر وتطاول المرء وتطلعه إلى ما ليس له . ( 3 ) القرآن الكريم : الأنفال / 46 .